محمود سالم محمد
462
المدائح النبوية حتى نهاية العصر الملوكي
وأكثر ما تمثّل به الشعراء من سيرة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، هو صبره وتجلده عند فقد عزيز عليه ، وتذكير المسلمين بمصابهم برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عند رفعه إلى الرفيق الأعلى ، ولذلك قال السيوطي في إحدى مقاماته : « وأعظم ما يسلّي الوالد عن صفيه ، مصيبته بسيده وهاديه ونبيه ، قال صلّى اللّه عليه وسلّم مرشدا بالقول الصائب : من أصيب بمصيبة ، فليذكر مصيبته بي ، فإنها أعظم المصائب » « 1 » . وقد اتسع ابن العريف الأندلسي في هذا المعنى ، فجعل العبرة في مصيبة المسلمين برسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم عامة ، يجد المسلم كل المصائب تهون أمام مصيبته بفقد نبيّه ، فقال : إذا نزلت بساحتك الرّزايا * فلا تجزع لها جزع الصّبي فإنّ لكل نازلة عزاء * بما قد كان من فقد النّبي « 2 » واستخدم الشعراء هذا المعنى في الرّثاء ، فعند ما رثى شاعر اسمه ( أحمد بن محمد بن علي الحجازي ) ابن حجر ، قال فيه : يا ربّ فارحمه واسق ضريحه * بسحائب من فيض فضلك عامره يا نفس صبرا فالتّأسي لائق * بوفاة أعظم شافع في الآخرة « 3 » أدى انتشار هذا المعنى وكلف الشعراء به إلى تأليف كتاب يظهر العبرة من وفاة رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ومواطن الاقتداء بها ، سمّاه صاحبه ( سلوة الكئيب بوفاة الحبيب ) ، أنشد فيه لابن حجر قوله : اصبر لكلّ مصيبة وتجلّد * واعلم بأنّ المرء غير مخلّد
--> ( 1 ) مقامات السيوطي : ص 77 ، وابن ناصر الدين الدمشقي : سلوة الكئيب ، ورقة 52 ، وسنن الدارمي ، مقدمة ص 14 . ( 2 ) الصفدي : الوافي بالوفيات 8 / 134 . ( 3 ) ابن فهد المكي : لحظ الألحاظ ص 342 .